ابن بسام

236

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

كتب القضاء بأنّ جدّك صاعد * والصّبح رقّ والظّلام مداد ونقلت من خطّ أبي مروان ابن حيّان قال : سلف لأبي عامر ابن المظفّر / هذا بقرطبة عيشة راضية في سرور وحبور وقتا ، إلى أن ساءت الأيّام بطامة ففارقها بغصّة ، وكان من محاسنه أنسه بالأدب ، وغلبة أهله على خاصّته ، ولم يكن منهم في مغدى ولا مراح ، فتجمّلت آثاره بهم ، وسارت أقوالهم فيه ، وكان من ألهجهم بذكره أبو عامر بن شهيد ، له معه أخبار مأثورة مشهورة . شاهدتهم ليلة في مجلسه [ و ] طفيلة صغيرة عجيبة الخلق كانت تسقيهم [ تسمّى ] أسماء عجبوا من مكابدتها السّهر معهم ، على صغر سنّها ، وحسن قيامها بخدمتهم ، فسأله ابن المظفر وصفها فقال [ 1 ] : أفدي أسيماء من نديم * ملازم للكئوس راتب قد عجبوا في السّهاد منها * وهي لعمري من العجائب قالوا : تجافى الرّقاد عنها * فقلت : لا ترقد الكواكب قال أبو عامر وابن حيان [ 2 ] : واستوحش أبو عامر ابن المظفر هذا من هشام المعتدّ ووزيره حكم بن سعيد القزّاز ، وكانوا قد رموه بذنب سليمان بن هشام النّاصريّ ، فلمّا خاف دبّر الفرار ، وخرج في لمّة من ثقات أصحابه وأعوانه ، وحمل معه عيون ذخائره وخاصّة حرمه ، وقطع أرضا بعيدة ، ولم يعلم المعتدّ بخبره ، إلى أن جاء خبر اجتيازه بدير قرطبة راجعا على عقبه من شاطبة ، لم يتّفق له فيها ما أراد ، فكرّ إلى ابن عبد اللّه بقرمونة مستجيرا به في ظنّه ، فأخلف ابن عبد / اللّه ظنّه ، وخاطب قائده بحصر المرور وبإزعاجه عن قطره ، ولا يجتاز على شيء من عمله ، فضاقت به الأرض يومئذ ، فألقى نفسه على أبي حمامة حرزة اليصدراني ، فأجاره وبوّأه منزلا في حصنه على نهر قرطبة ، أقام به في كمد وغصّة ، والحمام يغازله إلى أن مات عنده . وحدثني أبو عبد اللّه ابن هريرة الكاتب قال : قصد أبو عامر ابن المظفّر في خروجه من شاطبة إلى مواليه العامريّين بعد مراسلة متقدّمة ، فلمّا وصل ردوه خجلا خائبا ، فرغب أن تخرج إليه أخته بنت المظفّر الأيّم المقيمة - كانت - عندهم وقتهم ، فأسعفوه بذلك وخرجت إليه ، فخلا بها وأودعها جوهرا نفيسا كان احتمله ، وولى ناكصا ، والعبدي

--> [ 1 ] ديوان ابن شهيد : 94 ، وبدائع البداية : 353 ، والنفح 3 : 260 وأخطأ ابن ظافر وتابعه المقري ، إذ جعل صاحب المجلس هو الحاجب المظفر نفسه لا ابنه . [ 2 ] قال أبو عامر وابن حيان : كذا جاء ، ولعل الصواب : قال ابن حيان ، وجاءت « أبو عامر » سهوا .